ابن قيم الجوزية
605
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
والفرق بين الحال والمقام : أن « الحال » معنى يرد على القلب من غير اجتلاب له ، ولا اكتساب ، ولا تعمد . و « المقام » يتوصل إليه بنوع كسب وطلب . فالأحوال عندهم مواهب ، والمقامات مكاسب . فالمقام يحصل ببذل المجهود . وأما الحال : فمن عين الجود . ولما دخل الواسطي نيسابور سأل أصحاب أبي عثمان : بماذا كان يأمركم شيخكم ؟ فقالوا : كان يأمر بالتزام الطاعات ، ورؤية التقصير فيها . فقال : أمركم بالمجوسية المحضة . هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها ؟ . قلت : لم يأمرهم أبو عثمان رحمه اللّه إلا بالحنيفية المحضة . وهي القيام بالأمر ومطالعة التقصير فيه . وليس في هذا من رائحة المجوسية شيء . فإنه إذا بذل الطاعة للّه وباللّه صانه ذلك عن الاتحاد والشرك . وإذا شهد تقصيره فيها صانه عن الإعجاب . فيكون قائما بإياك نعبد وإياك نستعين . وأما ما أشار إليه الواسطي : فمشهد الفناء . ولا ريب أن مشهد البقاء أكمل . فإن من غاب عن طاعاته : لم يشهد تقصيره فيها . ومن تمام العبودية : شهود التقصير . فمشهد أبي عثمان أتم من مشهد الواسطي . وأبو عثمان هذا : هو سعيد بن إسماعيل النيسابوري من جلة شيوخ القوم وعارفيهم . وكان يقال : في الدنيا ثلاثة ، لا رابع لهم : أبو عثمان النيسابوري بنيسابور ، والجنيد ببغداد ، وأبو عبد اللّه بن الجلا بالشام . وله كلام رفيع عال في التصوف والمعرفة . وكان شديد الوصية باتباع السنة ، وتحكيمها ولزومها . ولما حضرته الوفاة مزق ابنه قميصا على نفسه . ففتح أبو عثمان عينيه ، وهو في السياق . فقال : يا بني خلاف السنة في الظاهر ، علامة رياء في الباطن . قال : « الدرجة الثالثة : الاضطرار . والوقوع في يد التقطع الوجداني . أو الاحتباس في بيداء قيد التجريد . وهذا فقر الصوفية » . « الاضطرار » شهود كمال الضرورة ، والفاقة علما وحالا . ويريد بالوقوع في يد التقطيع الوجداني : حضرة الجمع التي ليس عندها أغيار . فهي منقطعة عن الأغيار ، وحدانية في نفسها . والوقوع في يدها : الاستسلام والإذعان لها . والدخول في رقها . وقد تقدم أن حضرة الجمع عندهم : هي شهود الحقيقة الكونية ، ورؤيتها بنور الكشف ، حيث يشهدها منشأ جميع الكائنات . والكائنات عدم بالنسبة إليها « 1 » . و « أما الاحتباس في بيداء قيد التجريد » . فهو تجريد الفردانية أن يشهد معها غيرها ، وهو الفناء عن شهود السّوى . وسمي ذلك « احتباسا » لأنه منع نفسه عن شهود الأغيار . وجعل للتجريد قيدا . وهو التقيد بشهود الحقيقة .
--> ( 1 ) المقصود بها عندهم : صرح به ابن عربي وابن الفارض . ومن قبلهما أبو يزيد والحسين الحلاج .